في ملعب "أكرون" بمدينة غوادالاخارا المكسيكية، وبين جماهير غطت المدرجات بأكثر من 44 ألف متفرج، حدثت حكاية لن ينساها عشاق الكرة الكورية قريباً.
منتخب "محاربي التايغوك" وجد نفسه متأخراً بهدف نظيف أمام التشيك في الشوط الثاني. لكنه لم يستسلم. عاد من بعيد، وقلب النتيجة إلى 2-1 في واحدة من أكثر المباريات إثارة في افتتاح كأس العالم 2026.
هذا الفوز لم يكن ثلاث نقاط عادية. كوريا كسرت عقدة ثلاث بطولات متتالية لم تفز فيها بمباراتها الأولى. وهذا الانتصار هو الثالث توالياً لها على فرق أوروبية، بعد فوزها على البرتغال عام 2022 وألمانيا عام 2018.
منذ صافرة البداية، أظهر لاعبو كوريا الجنوبية رغبة واضحة في حسم المباراة مبكراً. ضغطوا على مرمى التشيك، وأطلقوا ثماني تسديدات في الشوط الأول وحده. لكن الحارس التشيكي ماتي كوفار كان في حالة استثنائية.
في الدقيقة 14، سدد لي كانغ إن قذيفة من خارج المنطقة، لكن كوفار تألق وأبعدها ببراعة. وبعدها بعشر دقائق، أضاع سون هيونغ مين فرصة ذهبية عندما سدد الكرة خارج المرمى من موقف كان يتوقع منه الجميع التسجيل.
الغريب أن كوريا سيطرت على الكرة بنسبة 55% طوال الشوط الأول، لكنها دخلت غرفة خلع الملابس والأرقام تشير إلى التعادل السلبي. الجماهير الكورية شعرت بالقلق من إهدار كل هذه الفرص.
في الشوط الثاني، واصلت كوريا ضغطها. وفي الدقيقة 56، انفرد سون هيونغ مين بالمرمى مجدداً، لكن كوفار أنقذ مرماه بأطراف أصابعه.
لكن كرة القدم لعبة لا ترحم. بعد ثلاث دقائق فقط، وتحديداً في الدقيقة 59، جاء الرد التشيكي الصاعق. فلاديمير كوفال أرسل رمية طويلة داخل منطقة الجزاء، ارتقى لها القائد لاديسلاف كريتشي ووضعها برأسه في شباك الحارس كيم سيونغ غيو.
التشيك سجلت هدفها من أول تسديدة على المرمى في المباراة بأكملها. كوريا كانت متفوقة طوال الوقت، لكنها وجدت نفسها متأخرة 1-0. المدرجات الكورية سكتت فجأة.
كوريا لم تحتج إلى وقت طويل للرد. بعد ثماني دقائق فقط من هدف التشيك، جاء الدور على هوانغ إن بيوم ليكتب اسمه في قائمة هدافي البطولة.
لي كانغ إن أرسل تمريرة ذكية داخل المنطقة إلى هوانغ، فهيأ الكرة لنفسه بمهارة خادعة، وتخلص من اثنين من المدافعين التشيكيين كما لو كانا مجرد ظلال، ثم سدد كرة مقوسة رقيقة تهادت بهدوء داخل المرمى. 1-1.
المدرجات الكورية انفجرت فرحاً. كأن الحياة عادت إلى قلوب 44 ألف شخص في لحظة واحدة. هوانغ لم يكتفِ بهذا الهدف، بل كانت له لقطة أخرى بعد دقائق.
في الدقيقة 69، أجرى المدرب الكوري هونغ ميونغ بو تغييراً لم يكن يتوقعه أحد. أخرج سون هيونغ مين، نجم الفريق الأول، وأدخل أوه هيون غيو. كثيرون استغربوا القرار، لكن النتيجة أثبتت حكمة المدرب.
قبل دقائق من هذا التغيير، وتحديداً في الدقيقة 77، كادت التشيك أن تسجل هدف التقدم مجدداً. توماس سوتشيك ارتقى عالياً وحول الكرة برأسه داخل الشباك، لكن الحكم ألغى الهدف بداعي التسلل. تنهيدة ارتياح كبيرة سمعت في الملعب بأكمله.
وفي الدقيقة 80، جاءت اللحظة الحاسمة. هوانغ إن بيوم أرسل عرضية أرضية من الجهة اليمنى، كان أوه هيون غيو في المكان المناسب، تابع الكرة بلمسة واحدة وسكنت الشباك. كوريا تتقدم 2-1.
الغريب أن أوه هيون غيو كان يعاني من حمى شديدة بلغت 38 درجة مئوية قبل ساعات قليلة من المباراة. لم يكن متأكداً من قدرته على اللعب. لكنه دخل الملعب وسجل هدف الفوز. هذه قصص لا تُكتب، بل تُعاش.
لم تستسلم التشيك بسهولة. في الدقيقة 82، سدد آدم هلوزيك كرة قوية من خارج المنطقة، كانت متجهة إلى الزاوية البعيدة، لكن الحارس كيم سيونغ غيو تألق وتصدى لها ببراعة، مانعاً هدف التعادل المحقق.
ورغم بعض الهجمات التشيكية الخطيرة في الدقائق الأخيرة، حافظت كوريا على تقدمها حتى صافرة النهاية. الحكم أطلق صافرتين، ثم ثلاثاً. المباراة انتهت. كوريا تبدأ المونديال بثلاث نقاط ثمينة.
المباراة أقيمت على ارتفاع ألفي متر عن سطح البحر. هذا الارتفاع أثر على أداء اللاعبين، خاصة في الدقائق الأخيرة. رئيس الفيفا جياني إنفانتينو حضر المباراة من المدرجات.
أرقام الشوط الأول كانت مثيرة: كوريا استحوذت على 55% من الكرة، وسددت 8 مرات، فيما لم تسدد التشيك أي تسديدة على المرمى. لكن في الشوط الثاني، تغير كل شيء.
كوريا الجنوبية حققت فوزها الثالث توالياً على منتخب أوروبي في كأس العالم. وأثبتت أن كرة القدم لا تُلعب بالأسماء فقط، بل بالروح والإصرار.
بهذا الفوز، رفع منتخب كوريا الجنوبية رصيده إلى 3 نقاط. يحتل حالياً المركز الثاني في المجموعة الأولى، خلف المكسيك التي فازت 2-0 على جنوب أفريقيا. التشيك في المركز الثالث بدون نقاط.
مباراة كوريا المقبلة ستكون أمام المكسيك يوم 19 يونيو. مباراة صعبة على أرض المستضيف وبين جماهيره. أما التشيك فستواجه جنوب أفريقيا يوم 18 يونيو في مباراة لا تقبل القسمة على اثنين، لأن الخاسر فيها سيودع البطولة مبكراً على الأرجح.
في مباراة جمعت بين الأسلوب الكوري القائم على الاستحواذ، والطريقة التشيكية المعتمدة على الكرات الطويلة والهجمات المرتدة، نجح "محاربو التايغوك" في اقتناص الفوز من قلب المكسيك.
هوانغ إن بيوم كان نجم المباراة بلا منازع. سجل هدف التعادل، وصنع هدف الفوز. وأثبت أن كوريا الجنوبية ليست فريق سون هيونغ مين فقط. هناك جيل جديد قادم بقوة.
أوه هيون غيو الذي كان مريضاً بالحمى قبل ساعات قليلة، أصبح بطلاً قومياً في كوريا بعد تسجيله هدف الفوز. هذه قصص كرة القدم التي تجعلنا نعشق هذه اللعبة.
المجموعة الأولى ما زال فيها الكثير. لكن كوريا أرسلت رسالة واضحة إلى الجميع: نحن هنا لسنا للمشاركة فقط، نحن هنا لنصنع التاريخ.
كرة القدم لا تسأل من أنت، بل ترى ماذا تفعل عندما يخونك الحظ. كوريا اليوم أثبتت أن الرد على الصدمة يكون بالعمل، لا بالكلام.